الحلبي

276

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قومه ، أي لأنه كان يخفي إسلامه عن قومه . ولما بلغ قومه أنه اعترف بأن عيسى صلوات اللّه وسلامه عليه عبد اللّه ووافق جعفر بن أبي طالب على ذلك سخطوا وقالوا له : أنت فارقت ديننا ، وأظهروا له المخاصمة ، فأرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال : اركبوا فيها ، وكونوا كما أنتم ، فإن هربت فاذهبوا حيث شئتم ، وإن ظفرت فأقيموا . ثم عمد إلى كتاب فكتب : هو يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ، ثم جعله في ثيابه عند منكبه الأيمن وخرج إلى الحبشة وقد صفوا له ، فقال : يا معشر الحبشة ألست أرفق الناس بكم ؟ قالوا بلى ، قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ، قال : فما لكم ؟ قالوا : فارقت ديننا ، وزعمت أن عيسى عبد ، قال : فما ذا تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول هو ابن اللّه ، فقال لهم النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه وقال : هو يشهد أن عيسى ابن مريم ولم يزد على هذا ، وإنما يعني ما كتب فرضوا منه ذلك . ويذكر أن عليا رضي اللّه عنه وجد ابن النجاشي عند تاجر بمكة فاشتراه منه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه مع المسلمين ، وكان يقال له نيزر مولى علي كرم اللّه وجهه . ويقال إن الحبشة لما بلغهم خبره أرسلوا وفدا منهم إليه ليملكوه ويتوجوه ولم يختلفوا عليه فأبى وقال : ما كنت لأطلب الملك بعد أن منّ اللّه عليّ بالإسلام . على أن ابن الجوزي رحمه اللّه ذكر أن ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشي كان عند منصرفه مع قريش في غزوة الأحزاب أي لا عقب بدر . فعن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه : لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق ، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني ، فقلت لهم : تعلمون واللّه أني لأرى أمر محمد يعلو لأمور علوا منكرا ، وإني قد رأيت رأيا فما ترون فيه ؟ قالوا : وما رأيت ؟ قال : أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي ، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن ممن قد عرفوا ، فلن يأتينا منهم إلا خير ، فقالوا : إن هذا هو الرأي ، فقلت : اجمعوا ما يهدى له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا له أدما كثيرا ، ثم خرجنا إليه ، فو اللّه إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شأن جعفر وأصحابه الحديث . وهذا لا يمنع أن يكون عمرو بن العاص وفد على النجاشي هو وعبد اللّه بن ربيعة عقب بدر ، فيكون وفود عمرو بن العاص على النجاشي كان ثلاث مرات : مرة مع عمارة عقب مهاجرة من هاجر إلى الحبشة ، ومرة مع عبد اللّه بن ربيعة عقب بدر ،